محمود بن حمزة الكرماني

58

اسرار التكرار في القرآن

ولفظا يدل على معنيين ، ولفظا يدل على أكثر ، فأجروا الأول على حكمه ، وأوضحوا معنى الخفي ، وخاضوا في ترجيح أحد محتملات ذي المعنيين والمعاني ، وأعمل كل منهم فكره . واعتنى الأصوليون بما فيه من الأدلة العقلية والشواهد الأصلية والنظرية ، فاستنبطوا منه أدلة على وحدانية اللّه ووجوده ، وسموا هذا العلم : أصول الدين . وتأملت طائفة معاني خطابه ، فرأت منها ما يقتضى العموم ، ومنها ما يقتضى الخصوص ، إلى غير ذلك ، فاستنبطوا أحكام اللغة من الحقيقة والمجاز ، وتكلموا في التخصيص والإخبار ، والنص والاجتهاد ، والظاهر ، والمجمل والمحكم ، والمتشابه ، والأمر والنهى . . وسموا هذا الفن : أصول الفقه » . ثم عدد ابن أبي الفضل علوم الدين والأدب والأمثال والحكم والوعظ والمعاد ، وأصول تعبير الرؤيا ، والظواهر الكونية ، وعلوم الحقائق ، والطب ، والجدل ، والهيئة ، والهندسة ، والجبر ، والمقابلة ، وأصول الصناعات ، ونبه إلى مكانها من القرآن . بل إن السيوطي نقل : أن سكوت القرآن عن حقيقة من الحقائق يمكن استنباط الحقيقة منه . ومثل له باستدلال جماعة على أن القرآن غير مخلوق بأن اللّه تعالى ذكر الإنسان في القرآن في ثمانية عشر موضعا وقال : إنه مخلوق . وذكر القرآن في أربعة وخمسين موضعا ، ولم يقل : إنه مخلوق . فلما جمع بينهما غاير فقال : الرَّحْمنُ . عَلَّمَ الْقُرْآنَ . خَلَقَ الْإِنْسانَ « 1 » . ونقول : إن في قوله تعالى : عَلَّمَ الْقُرْآنَ دليلا على أنه غير مخلوق لأنه أرجعه إلى ذاته يعلم به عباده ، لا إلى خلقه الذي وضعه بين عباده يتصرفون فيه حيث شاءوا . ولقد جمع الإمام بن أسد المحاسبي من هدى القرآن ما يمكن أن

--> ( 1 ) سورة الرحمن : 1 - 3 .